مقالات
من رجال مروا من هنا: محمد ولد هباب/ أ. محمد الامين ولد لكويري
الاثنين, 31 أغسطس 2026 12:37

وفاء ببعض حق أفاضل السلف، وتبيانا لما خلفوا من الأثر الجميل والذكر الحسن، وحفظا لشيء من سيرهم المشرفة، والجديرة بأن تروى وتحفظ؛ أكتب هذه السطور:

نقطة مباركة من المجال الجغرافي الطويل، والممتد من منطقتي ظهر انوللان وخط الدامي جنوبا، إلى تيرس شمالا؛ وبداية العقد الثاني من القرن الماضي، هما ظرفا ميلاد محمد ولد ولد هباب لأبيه أحمد ولد كاشف ولد ابراهيم ولد اعل ولد هباب، ولأمه مريم منت اعل سالم.

نشأ محمد ولد هباب في أحضان أسرة توارثت خلال الكرم كابرا عن كابر، وفي عشيرة شهد لها الجميع بشتى خصال الكرم؛ من نجدة المظلوم وإعانة المحتاج ونصرة الحق والشجاعة التي شهد لهم بها ألد أعدائهم، إذ نرى الرائد الفرنسي فرير جاه يصرح بذلك في مذكراته، والحق ما شهدت به الأعداء...

في هذا الوسط وفي هذه البيئة نشأ صاحبنا وترعرع، فكان لهما التأثير البالغ في بناء شخصيته، حيث نشأ محمد ولد هباب وهو يرى ما عليه قومه من خصال الأكارم كالشجاعة والنبل والنجدة وإغاثة الملهوف ونصرة الحق والتضحية في سبيله، ويروى له الشيء ذاته عن أسلافه الماجدين، فكان صاحبنا امتدادا لهذا المحتد الكريم.

كان محمد ولد هباب، رحمه الله، شديد الحرص على أن يبقى إحسانه بعيدا عن أعين الناس، وأن يظل ما يبذله من معروف لمن ضاقت بهم الحال سرا، وهو ما اكتشف الكثير منه بعد رحيله رحمه الله، حيث عبر كثير من ضعفاء منطقته عما افتقدوه مما كان يجري عليهم في حياة الرجل.

كان رحمه الله يتعمد أن يجعل مصدر إسعافاته للضعفاء خافيا، حتى على أصحابها، فنجده يسعى إلى قضاء حاجاتهم دون أن يشعروا بمصدر ما وصل إليهم، ومن ذلك ما حدث به بعض من لا يزال بين ظهرانينا من الثقاة، قالوا:  ذات عام شديد من أعوام الجفاف الشهب، كانت في منطقتنا أسرة تأوي إلى خباء هو جميع ما تلملك، يظل جميع أفرادها في الخلاء بحثا عن الصمغ ثم يعودون مساء إلى الخباء، وعند عودتهم ذات مساء وجدوا أمامهم شاة قد ذبحت وسلخت وعلقت في جانب الخباء، وبجانبها شكوة ملأى لبنا سائغا، ليتأكدوا بعد التحريات أن الزائر لم يكن سوى محمد ولد هباب.

جود ولد هباب رحمه الله وإقدامه ظهرا وهو لا يزال في طفولته، ومن ذلك ما تواتر عند معاصريه من أنه كان مسافرا في شمال البلاد، ضمن نفر من قومه الأكارم، من بينهم الزعيم أحمد سالم ولد مولاي، وهم يستاقون قطيعا من الإبل مشتركين في ملكيته، وهو إذ ذاك لا يزال فتى حدثا لا يحق لمثله مناقشة أكابر قومه أحرى التصرف بدون إذنهم، ثم إنهم أناخوا ليلة عند أسرة من قبيلة عرفت بالجود، فأكرموا غاية الإكرام، فلما هموا بالرحيل صباحا لاحظ محمد فصيلا يدور غير بعيد من الخيمة وحنينه متواصل، فسأل عاملا عند الأسرة عن شأن الفصيل، فرد العامل: ذاك امو هي ال عندهم حلبوها البارح زرگو بيها ونحروها، فأمر محمد راعي الإبل أن يأخذ منها لقحتين أراه إياهما، ويوصلهما إلى الأسرة المذكورة فهما هدية من ضيوفهم البارحة، وقد أعجب رفقاؤه بهذا التصرف إعجابا وشكروه عليه، وما فتئ أحمد سالم ولد مولاي يذكر هذه المسألة ويعرب عن إعجابه بمحمد ولد هباب، رحمهما الله.

كان محمد رحمه الله - كما قلنا - يقف دائما في وجه الظلم وينحاز إلى جانب العدل، فهو لا يعرف التردد في الدفاع عمن يرى أنه مظلوم معتدى عليه، وقد حدث كل من والدنا ولحميد ولد عبد الله ولد سيدي رحم الله الأول ورزقه جنات عدن، وأطال بقاء الثاني في أكمل نعمة، قال: ذات رحلة من رحلات "استگبيله"  ملنا مشرقين فرارا من ذبابة "تاگوگامت" (وهي ذبابة تشكل خطرا على الإبل) فسلكنا طريقا تمر بمنطقة لبيار - ويطلقونها على طوال الآبار - وليست لدينا مواعينها وأدواتها اللازمة، قال فنزلنا قرب إحدى هذه الآبار فوردها لحميد مساء واتفق مع أحد القائمين عليها على أن يتولى عملية المتح غدا حتى تسقى الغنم والقرب، مقابل مبلغ تسلمه الرجل ذلك الحين.

قال فلما وردنا البئر ضحى، وجدنا الرجل قائما عليها وجداولها ملأى، وقبل أن نشير على الراعي بانطلاق عملية اتراسيل (تفويج الغنم نحو الحياض) إذا بالأبقار قد غطت أرض البئر، وإذا برجل يبدو أقوى كلمة وأكثر نفوذا من صاحبنا، وقد أخذ يرعد ويزبد محذرا من أن يقترب أحد من البئر ذلك اليوم، وكنا غريبين في تلك المنطقة التي ينتشر فيها مجتمع الرجلين، فبينما نحن نعترض الأبقار حتى لا تقرب الجداول وهما يدفعاننا عنها، وقبيل أن نشتبك، إذا بمحمد ولد هباب يقف معنا على جمل له، فيسأل عن الأمر، لنحكي له ما كان، فما كان منه إلا أن أناخ جمله ونزل، ثم أقسم أن لا يبل أحد إصبعه من تلك البئر قبل أن نسقي جميع ما عندنا ونتوارى من "مگسم" أشار إليه بيده، وهو ما حصل بالفعل.

ومن تضحيته ووقوفه إلى جانب العدل، ما يروي اليوم كثير ممن سكنوا تكنت ذلك التاريخ، وهو أنه بينما كان محمد ذات يوم من أواخر سنيه، وراحلته تخدي به في مهمة له ببادية تكنت، وقد تقدم به العمر، إذ طلع عليه رجل يسوق "آگزي من لمعيز" (قطيعا من المعز) وقد ارتاب فيه محمد، حيث يبدو من ضروع المعز وكثرة ثغائها أنها حديثة عهد بالولادة وليس معها جديانها، بينما قال الرجل إنه مسافر إلى كذا... وخلال الحديث تأكد أن الرجل سارق لينيخ محمد راحلته وينزل عن رحله مصوبا نحو الرجل فوهة مدفعه الذي لا يكاد يفارقه، ثم أحكم وثاق الرجل، وبعد أن وضع القطيع في يد أمينة كانت قريبة من مكان الحادثة؛ أعلم فرقة الأمن الموجودة في تكنت أيامها لتتسلم الرجل.

لكن محمد ولد هباب لم يغب عن الأمر، فقد تابع خبر الرجل الذي حصل في شأنه ما يتكرر كثيرا من اتصالات وتفاهمات، وهو ما أفضى إلى إخلاء سبيله، وعندما علم ولد هباب بالأمر ثار ثورة لم تهدأ إلا بعد البحث عن الرجل وإعادة توقيفه من جديد.

ولم يزل محمد ولد هباب ناصرا للحق قويا فيه، مغيثا للملهوف، مجيرا للمظلوم، كعبة للضعاف والمحتاجين، معلق القلب بالمسجد، إلى أن سار للقاء ربه الكريم، فبذلك وغيره من الخلال شهدت ألسن كل من عرفوه أو سمعوا عنه، ومما وصلنا من تلك الشهادات الكثيرة ما جاء في المراثي التالية:

يقول والدنا أحمدو بنب لكويري ولد عبد الله ولد سيدي، رحمه الله ورزقه جنات عدن:
محمد مثلُ ما ينشاف
           ؤلد هباب ؤلا ينخاف
اعليه ؤلاهُ كيفُ لا افـ
             ـرضناهَ بيه الِّ حليم
ؤبيه الِّ مسند للضعاف
            ؤبيه الِّ ملجأ للعديم
يا رب جازيه ابلاحسان
      ؤبارك في اعيالُ والحريم
واعطيه الجنَّ والرضوان
            واعطيه النعيم المقيم

ويقول الأديب النبهاني ولد أمغر:
گاع الّا گلتو عن لكريم
                لكبير النفاع الوجيه
غوث الخلايق بالتعميم
              امش عنَّ ذ ثابت ويه

ارحم محمد مول الشان
               تلاي افلمسيد القرآن
جيّايُ من سابگ لَذان
           لين اتشك انُّ ساكن فيه
ليّان اگساويت العربان
        في الصول ابديه اتجوليه
اتجيه اجماعتهَ لَعيان
                لراي ارايُ ما تعصيه

ارحم محمد هاذ ول
                هباب المقدام البطل
لغليظ الِّ محمود الفعل
            والقول الِّ سيّد قوميه
لحلُ لمونك لمعدل
            لديب الِّ صافي دخليه
الِّ لفظُ ما گط اختل
        ؤلا گط اطمع ماهْ افناشيه
يامولان لا حشمت زاد
         لعگوبه حشمت ذ الحساد
وارحم محمد شيخ افراد
              موسات الثمين النبيه
واتبارك فولادُ لجواد
            واهلُ واخوالُ وانعاريه
واعطيه الجنَّ والمراد
       يا رب وامن الحوظ اسگيه
امالُ كون ابلامر انقاد
           والنهي ابلد فيه امخليه
  گاع الّا گلتو عن لكريم
        لكبير النفاع...

ويقول الأديب الداه ولد اباته، رحمه الله:
انصابت لمروَّ والدين
       كيفت ذاك انصاب امحقين
وانصابُ لخلاق الزينين
      والجود انصاب افكل اتراب
والرجلَ گاع اتلات امنين
          ما مفتوح اتلات الهَ باب
واصل انصابت من شِ بيِّين
         الحكمه وانصاب الصواب
وانصاب الضعيف المسكين
       وابعاد اعليه الْ گط اگراب
امشَ محمد ذاك امتين
           ؤلد هباب الكون انصاب
وانگد انتم انعد اِلين
       گاع امن انصاب ؤلا تغراب

طيه امن الرحمه ياسر متـ
        ـوالِ سالك من كل اشقاب
واتبارك في الِّ خلَّ واتـ
         ـبارك في العشير ؤلحباب

ويقول الأديب أحمد ولد الشويخ:
يارب ترحم محمل
            هباب ؤطيه الجنَّ والـ
ـغفران ابذاك الِّ يحمل
       كان امن الضعاف ؤلحسان
للخطار ؤشِ متعدل
    ؤالاسلام ؤالايمان ؤالاحسان
العربي لغليظ الِّ كل
              حد اعليهَ يشهد مكان
عندُ كان ؤلا يتبدل
          راتب كان افذاك الميدان

يسوَ غير امخلِّ لولاد
            احمدن للحي السبحان
اتبارك فولادُ لسياد
                الزعمَ لغلاظ الفتيان

ويقول الأديب لمرابط ولد أكيبد:
عربِ من لعرب مول دين
                  ؤمعلوم ؤزينَ ذاتُ
امش صيتُ فالناس زين
                   ؤبين ولادُ وامناتُ

عاگب محمد ما اتلات
         توجع ول آدمْ موت جات
لعرب والِّ خلات ماتـ
                 ـلات العاگب وفاتُ
تشطن من لعرب حد مات
                   بيه الِّ لعرب فاتُ
ماتُ محمد ما احيات
                   لعرب لين الِّ راتُ
بيه الِّ ربُّ فات فات
                  جعلُ گاع افحياتُ
عربي من لعرب مول دين...

توفي محمد ولد هباب في يوم مشهود من سنة 2000 ودفن في مقبرة العرش رحمه الله رحمة واسعة وأنزله أعالي فراديس الجنان، وبارك في عقبه الأكارم.

 
موريتانيا: من وهج المحظرة إلى ضوء الغاز.. حضارة لا تُباع/بقلم : احمدو محمد احمد إياهي
الأحد, 30 أغسطس 2026 23:40

ليست الأمم أرقاماً في جداول النمو، ولا مصانع تُقام على عجل. الأمم ذاكرةٌ تُورَّث، وروحٌ تُصان، وقصةٌ تُروى للأجيال. ومن أراد أن يستشرف مستقبل موريتانيا، فلا يُفتِّش في باطن الأرض عن نفط أو غاز فحسب، بل ليُصغِ إلى خرير المحيط، وإلى همس الرمال، وإلى ترتيل المحاظر في جنح الليل.

إن موريتانيا، هذه العروس التي توشحت بعقد من صحراء ومحيط، تقف اليوم على عتبة تاريخية. فبين يديها ثروات باطنية: نفط وغاز ومعادن تُبشِّر بغد اقتصادي. وبين جنبيها ثروات ظاهرة: تراث وثقافة وطبيعة تُبشِّر بغد حضاري. والحكمة كل الحكمة أن لا نرى بينهما خصاماً، بل تكاملاً. فالغاز يُضيء المدينة، والثقافة تُضيء الوجدان. والمعدن يبني الجسر، والتراث يبني الهوية.

لم نبدأ الطريق من عدم. لقد ورثنا مكتسبات، وخطت الدولة خطوات مشكورة في صيانتها، وشهد بها العالم قبلنا. ففي عام 1996م، أنصفت منظمة اليونسكو التاريخ حين أدرجت مدن شنقيط ولاتة وادان وتشيّت على لائحة التراث العالمي. لم تفعل ذلك شفقة، بل اعترافاً بأن الصحراء أنجبت حضارة. واليوم، صار مهرجان "مدائن التراث" السنوي عرساً وطنياً يجوب هذه المدن، ويعيد إليها نبض الحياة. وتقوم وزارة الثقافة بالتعاون مع شركاء دوليين بأعمال ترميم وصيانة للبيوت التاريخية والمساجد العتيقة، وهو جهد يستحق الثناء والدعم والاستمرار.

وهنا نقف وقفة إجلال عند مكتسب آخر لا يقل أهمية. فقد شهدت السنوات الأخيرة جهوداً مباركة في صيانة المكتبات الأهلية وحفظ المخطوطات الشنقيطية. فقد اضطلع المعهد الموريتاني للبحث العلمي بدور محوري في صيانة وترميم المخطوطات وتكوين الكوادر الوطنية في هذا المجال منذ تأسيسه. كما قامت المكتبة الوطنية بدور كبير في جمع المخطوطات وتصنيفها ورقمنتها وإتاحتها للباحثين، صوناً لها من عوامل التلف والنسيان. واحتضنت بعض المحاظر الكبرى أيضاً مراكز متخصصة لترميم المخطوطات وصيانتها. هذه الخطوات إنقاذ لذاكرة الأمة. ولكن الطموح يجب أن يتجاوزها: نريد قاعدة بيانات رقمية وطنية موحدة، ونريد مركزاً عالمياً للمخطوطات الموريتانية يكون قبلة للباحثين من مشارق الأرض ومغاربها.

وفي عام 1989م، توجت اليونسكو جهود الحفاظ بإدراج منتزه حوض أركين الوطني ضمن التراث العالمي. وهو اليوم ملاذ لملايين الطيور المهاجرة، ومرآة تعكس جمال ساحلنا الممتد على 754 كلم. وصيانته تكون بسياحة بيئية رشيدة، وبحماية ثروتنا السمكية من جور الاستنزاف.

وفوق هذه المكتسبات، تزخر بلادنا بمقدرات لو أحسنا نحتها، صارت تماثيل من ذهب. إن مدننا الأربع ليست أطلالاً نبكيها. هي كتب مفتوحة. كل حجر فيها سطر، وكل زقاق حكمة. إنها دليل ساطع على أن الإنسان الموريتاني إذا عزم، روّض القسوة فصارت عمراناً.

ولُقِّبت بلادنا عن جدارة بـ "بلاد المليون شاعر" وهذا اللقب ليس مجازاً بل حقيقة راسخة. فالشعر الحساني هو ديوان العرب في الصحراء، وسجل التاريخ والأخلاق والسياسة. والمحظرة هي مصنع العلماء والفقهاء، والكرم فريضة اجتماعية متوارثة. وزاد جمال لوحتنا أن ألوانها متعددة. فموريتانيا بحمد الله مُلتقى الحضارتين، ومَعبر القوافل، وفسيفساء الإبداع العربي الإفريقي الأصيل، يتعانق فيها البيان العربي مع إيقاع البولار، وسمو السوننكي، وعذوبة الولوف، فينشد الجميع لحناً واحداً عنوانه: الوحدة الوطنية.

ومن "عين الصحراء" في وادان، تلك الدائرة الجيولوجية التي تراها الأقمار الصناعية فتقف إجلالاً، إلى واحات النخيل الصامدة في آدرار وتكانت، إلى نهر السنغال شريان الجنوب وخصبه، تمتد طبيعة لا تُنهب، بل يُحتفى بها. ونعم، إلى جانب هذا كله، تبتسم لنا الأرض بثروات النفط والغاز والذهب والحديد. وهي نعمة نشكر الله عليها. ولكن العاقل من جعل المال خادماً للهوية، لا العكس. فالنفط يبني مصنعاً، والثقافة تبني أمة.

إن صيانة المكتسبات واستثمار المقدرات معادلة تحتاج إلى ثلاثة أضلاع. الضلع الأول: اقتصاد المعنى. فلنحول الثقافة من "بند ترف" إلى "قطاع إنتاج". لنجعل من الملحفة الموريتانية ماركة عالمية، ومن الفضة حرفة مصدرة، ومن مهرجان مدائن التراث بورصة للصناعات الإبداعية. فالثقافة اليوم تشكل ما يزيد على 3% من الاقتصاد العالمي. أفنتركها لغيرنا؟

والضلع الثاني: إعلام يصنع الرواية. أيها القلم، أنت الرمح. لا تكتب عن الخراب فقط. اكتب عن شنقيط كما تكتب عن الأزمة. صوِّر جمال أركين كما تصور الشارع. مهمتنا أن نقول للعالم: ها هي موريتانيا، بلد الطاقة النظيفة، وبلد العلم القديم، وبلاد المليون شاعر.

والضلع الثالث: تعليم وبحث يُصالحنا مع المرآة. لا نهضة لجيل يجهل "ابن شنقيط" ويعرف لاعب كرة أجنبياً. يجب أن تُدرَّس مدائننا في مدارسنا، وأن يُفاخر طالبنا بمحظرته كما يُفاخر بتقنيته. ويجب أن نُفعِّل دور المعهد الموريتاني للبحث العلمي أكثر، ليكون جسراً بين المحظرة والجامعة، وبين المخطوطة والمختبر.

أيها الموريتانيون، لنُنصف أنفسنا أولاً: لقد أنجزنا. أنجزنا باعتراف العالم بمدننا الأربع. وأنجزنا بمهرجان يحيها كل عام. وأنجزنا بصيانة مكتباتنا وإنقاذ مخطوطاتنا من الضياع بجهود المعهد والمكتبة الوطنية. وأنجزنا بتأسيس المعهد الموريتاني للبحث العلمي ليكون حارساً على تراثنا وطبيعتنا. وأنجزنا بحماية محمياتنا الطبيعية. هذه مكتسبات تاج على رؤوسنا يجب أن نصونه ونفخر به.

ولكن الإنصاف يقتضي أن نقول: ما تحقق هو البداية، لا النهاية. فالواجب اليوم مضاعف: صيانة لما كان، وترقية لما سيكون. فلنصُن مدائننا بالترميم والبنية التحتية. ولنصُن مكتباتنا ومخطوطاتنا بالرقمنة والمراكز المتخصصة. ولنصُن معهدنا بدعمه وتمويله ليكون منارة بحث إقليمية. ولنصُن طبيعتنا بقوانين صارمة وسياحة مسؤولة.

وفي الوقت ذاته، لِنرقَ بمقدراتنا التراثية والثقافية الموريتانية إلى مصاف الصناعة. لنجعل من الشعر اقتصاداً، ومن الحرف هوية، ومن التاريخ وجهة. إن المقدرات التراثية والثقافية والطبيعية ليست نقيضاً للنفط والغاز، بل هي بوصلة لهما. هي التي تمنع المال من أن يتحول إلى فساد، وتمنع التقدم من أن يتحول إلى اغتراب.

لقد ورثنا مكتسبات فصُنّاها. وها نحن نبني فوقها. فليكن عهدنا مع الأجيال القادمة: موريتانيا التي نريدها.. من مدائن الحجر إلى حقول الغاز.. بهوية لا تُباع، وبذاكرة لا تُمحى، وبعلم لا ينضب، وبشعر لا ينتهي. فهل نحن على قدر العهد؟

أحمدو محمد أحمد إياهي
رئيس تحرير موقع وكالة وطنى للأنباء المستقلة

 
صرخة من أجل بناء الإنسان قبل أن يفوت الأوان /الأستاذ محمد فؤاد برادة
الأحد, 19 يوليو 2026 01:44

استلهامًا لأفكار مقال «موريتانيا والأمير والانتخابات البرلمانية» المنشور سنة 2013

بعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا على نشر مقال «موريتانيا والأمير والانتخابات البرلمانية»، يبدو أن جزءًا كبيرًا من الإشكالات التي أثيرت آنذاك ما زال مطروحًا، وإن اختلفت السياقات وتبدلت الفاعليات. غير أن التجربة تؤكد اليوم أن التحدي الأكبر الذي يواجه موريتانيا لا يكمن في إعادة تشكيل التوازنات السياسية وحدها، وإنما في بناء الإنسان، باعتباره المدخل الحقيقي لبناء الدولة وترسيخ الاستقرار.

لقد انصب جانب معتبر من النقاش العمومي خلال العقود الماضية على الانتخابات، والأحزاب، وتوزيع السلطة، بينما ظل الاستثمار في الإنسان، بوصفه أساس التنمية والدولة الحديثة، دون المستوى الذي تفرضه التحولات الاجتماعية والديموغرافية والتكنولوجية المتسارعة.

وتكشف المؤشرات الاجتماعية عن تنامي ظواهر تستدعي وقفة وطنية جادة، من بينها التسرب المدرسي، والهشاشة الأسرية، وضعف التأطير التربوي، ووجود أطفال ينشؤون خارج المنظومة التعليمية والتكوينية، فضلاً عن وجود أسر تضم أعدادًا كبيرة من الأطفال تتجاوز في بعض الحالات عشرة أو ثلاثة عشر طفلًا، دون أن تتوافر لها الإمكانات الكافية لضمان التربية والمتابعة والتوجيه. ولا يمثل ذلك تحديًا اجتماعيًا فحسب، بل هو قضية ترتبط بجودة رأس المال البشري الذي سيقود الدولة خلال العقود المقبلة.

ويزداد هذا التحدي تعقيدًا مع التراجع النسبي لأدوار التأطير التقليدية، وفي مقدمتها المحظرة والمؤسسات الدينية، التي شكلت عبر التاريخ الموريتاني مدرسةً لتكوين الإنسان قبل تكوين العالم، ولغرس قيم الانضباط، والأمانة، والاعتدال، والاعتماد على النفس، واحترام العلم. فقد كانت المحظرة مؤسسةً اجتماعيةً وتربويةً متكاملة، أسهمت في صناعة النخب وحفظ الهوية الوطنية، إلى جانب دورها العلمي والديني.

وفي المقابل، فرضت الثورة الرقمية واقعًا جديدًا، حيث أصبحت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي والوسائط الرقمية أحد أهم مصادر تشكيل وعي الأطفال والشباب، دون أن يواكب ذلك تأطير أسري أو تربوي أو ديني يضمن الاستخدام الرشيد لهذه الوسائط. ولم تعد المنافسة اليوم بين المدرسة والشارع فحسب، بل أصبحت بين الأسرة والمحظرة والمدرسة من جهة، والفضاء الرقمي المفتوح من جهة أخرى، بما يحمله من فرص معرفية كبيرة، ومخاطر فكرية وسلوكية لا يمكن تجاهلها.

ولا ينبغي أن يُفهم هذا الطرح باعتباره دعوة للعودة إلى الماضي، بل دعوة إلى تحديث مؤسسات التأطير وإعادة الاعتبار لوظيفتها الحضارية، بحيث تتكامل المدرسة مع الأسرة، والمحظرة مع الجامعة، والخطاب الديني مع الخطاب التربوي، لبناء شخصية متوازنة تجمع بين المعرفة، والقيم، والانفتاح، وروح المواطنة.

إن هذه المسؤولية لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تتحملها الأحزاب السياسية، في الأغلبية والمعارضة، والمؤسسات الدينية، والقطاع التربوي، والإعلام، والمجتمع المدني، والأسرة. فالإشكال ذو طبيعة بنيوية، ولا يمكن معالجته بتحميل المسؤولية لطرف دون آخر، لأن بناء الإنسان مشروع وطني تتقاطع فيه مسؤوليات الجميع.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن التنمية المستدامة تبدأ بالاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في البنى التحتية، وأن قوة الدول لا تقاس بحجم مواردها الطبيعية، وإنما بجودة تعليمها، وتماسك أسرتها، وكفاءة مؤسساتها، وقوة منظومتها القيمية.

ومن ثم، فإن موريتانيا بحاجة اليوم إلى ميثاق وطني لبناء الإنسان، يجعل الطفولة، والتعليم، والتأطير الديني والتربوي، والثقافة، والتربية الرقمية، في صدارة الأولويات الوطنية. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ عند صناديق الاقتراع، وإنما يبدأ في الأسرة، والمدرسة، والمحظرة، وفي كل مؤسسة تسهم في صناعة المواطن الصالح.

إن الأمم التي تهمل تنشئة أجيالها تؤجل أزماتها ولا تحلها، أما الأمم التي تجعل من الإنسان محور سياساتها، فإنها تؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا وعدالةً وازدهارًا.
. محمد فؤاد برادة

 
العدالة في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي/ القاضى سيدى محمد شينه
الجمعة, 05 يونيو 2026 17:35

يمكن للتكنولوجيا الحديثة أن تجعل الأنظمة القضائية أكثر عدالة، وأقل تكلفة، وأسرع. 

اليوم، يعتمد القضاة والمحامون، والأنظمة القضائية ، بشكل متزايد على أدوات قائمة في اكثرها على الذكاء الاصطناعي. 
وفي موريتانيا، تتسارع رقمنة العدالة من خلال إنشاء خدمات إلكترونية وتعزيز البنى التحتية قدر الإمكان.
إذ تنفذ وزارة العدل برنامجاً واسعاً للعصرنة،يركز بشكل خاص على السعي إلي رقمنة الإجراءات الإدارية لتسهيل حياة المواطنين اليومية. 
السلطة الوطنية لحماية البيانات ذات الطابع الشخصي هي الجهة الرسمية الوطنية المنظمة المكلفة بضمان امتثال معالجات البيانات الشخصية على التراب الموريتاني.

ولكي نستنير أكثر حول هذه الإشكالية المهمة المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في النظام القضائي، أجرينا مقابلة حصرية مع القاضي الموريتاني الشيخ سيدي محمد شينه. 
يتميز بمسار أكاديمي وتجربة مهنية راسخة، وقد شغل منصب رئيس المحكمة المتخصصة بالعبودية و الإتجار باالاشخاص و تهريب المهاجرين.

تركز المقابلة على الرهانات الحاسمة لتحديث القضاء وتأثير الذكاء الاصطناعي في القانون المعاصر.

المقابلة:

س: السيد الرئيس، مساركم الأكاديمي في فرنسا وتجربتكم الطويلة داخل السلك القضائي الموريتاني تجعلان منكم مراقباً مميزاً لتحولات القانون. كيف تنظرون إلى إدخال الذكاء الاصطناعي في المحاكم؟ 

التفاصيل
 
النقيب محمد بدن لعمر يدلى بصوته فى انتخاب مكتب جديد لنقابة الصحفيين الموريتانيين
الاثنين, 18 مايو 2026 16:35

تظهر الصورة رجلاً اصيلا يرتدي الزيّ الموريتاني
الأصيل التقليدي
وهو يضع ورقة التصويت داخل صندوق الاقتراع، في مشهد يوثّق مشاركته في انتخابات نقيب الصحفيين الموريتانيين، بينما يجلس عدد من الحاضرين وأعضاء اللجنة داخل القاعة.
هذ الرجل
هوالصحفي محمد ولد بدن ولد  أعمر
نقيب
النقابة الموريتانية
الصحفيين المستقليين
وهو يؤدي واجبه الانتخابي خلال انتخابات نقيب الصحفيين الموريتانيين في نواكشوط.
الصحفي سيدي محمد

 
من كوبني إلى عمق الدولة: هل حدودنا في مأمن؟ / أحمد محمد حمادة كاتب ومحلل سياسي
الاثنين, 30 مارس 2026 12:55

في الجغرافيا السياسية، لا تُقاس الحوادث بحدودها الضيقة، بل بما تكشفه من اختلالات أعمق في معادلة السيادة والأمن. ومن يتابع المشهد الحدودي في منطقتنا يدرك أن ما جرى في كوبني لا يمكن اختزاله في كونه واقعة معزولة، بقدر ما يعكس حالة إقليمية هشّة، تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع تعقيدات الواقع الميداني.

فقد كشفت المعطيات الميدانية عن دخول وحدة من الجيش المالي إلى عدد من القرى التابعة لبلدية كوكي، حيث أُبلغ السكان بأن هذه الأراضي تتبع لمالي، دون تسجيل أي مواجهات أو خسائر بشرية. ورغم أن هذا المعطى يبعث على التهدئة، فإنه لا يلغي حساسية الواقعة، بل يعزز من دلالتها: تحرك هادئ في شكله، لكنه عميق في مضمونه، ومرتبط بسؤال السيادة أكثر من كونه حادثًا عابرًا.

ورغم أن الحادثة لم تنزلق إلى تصعيد، فإنها—في تقديري—تفتح بابًا مشروعًا للتساؤل حول فعالية الضبط الحدودي في مناطق يغيب فيها الترسيم الدقيق، ويضعف فيها الحضور الإداري للدولة. هناك، لا تبدو الحدود خطوطًا فاصلة بقدر ما تتحول إلى فضاءات رمادية، تُختبر فيها السيادة بصمت، وأحيانًا دون إعلان.

وليس هذا الإشكال وليد اللحظة، إذ تشير معطيات سابقة، من بينها بعثة رسمية سنة 2014، إلى وجود تداخل في بعض النقاط الحدودية بين موريتانيا ومالي. غير أن ما يميز هذه الواقعة هو انتقال هذا التداخل من الإطار النظري إلى الممارسة الميدانية، عبر دخول قوة عسكرية وإبلاغ السكان بتبعية أراضيهم، وهو ما يمكن قراءته كنوع من اختبار الواقع أو محاولة فرض تصور معين للحدود.

وعند وضع هذه الحادثة في سياق الساحل، تتضح الصورة أكثر. فالمنطقة لم تعد مجرد مجال جغرافي، بل فضاء تتقاطع فيه التهديدات الأمنية مع هشاشة البنى المؤسسية. وفي مثل هذا المناخ، قد تحمل تحركات محدودة في ظاهرها رسائل تتجاوز بعدها المباشر، حتى وإن لم تكن مقصودة في حد ذاتها.

ولا يمكن—في رأيي—فهم ما جرى دون استحضار البعد الاقتصادي والاجتماعي للمجال الحدودي. فمناطق التماس بين موريتانيا ومالي ليست خطوطًا صامتة، بل فضاءات حية للإنتجاع الرعوي والتنقل الموسمي. هذا النمط من العيش، المتجذر في تاريخ المنطقة، يتجاوز بطبيعته الحدود السياسية، ويجعلها أقل صرامة في الواقع مما هي عليه في الخرائط. غير أن هذا التداخل، في ظل ضعف التأطير القانوني وهشاشة التنسيق، يخلق احتكاكات قد تبدو عرضية، لكنها تحمل في طياتها قابلية التحول إلى أزمات.

وفي هذا السياق، تستند الرواية المحلية إلى مؤشرات سيادية ملموسة، من قبيل وجود مدارس موريتانية، ومكاتب تصويت، وإدارة محلية قائمة، وهي عناصر تعزز—من الناحية الواقعية—الانتماء الترابي لهذه القرى. غير أن هذه المؤشرات، رغم أهميتها، تظل بحاجة إلى سند قانوني وترسيم نهائي معترف به، لأن السيادة لا تُحسم فقط بالوجود الإداري، بل أيضًا بالاتفاقات الرسمية والخرائط الدقيقة.

أما ما أُثير بشأن محاولة إنزال العلم الوطني من إحدى المدارس—إن ثبت—فإنه يتجاوز كونه حادثة ميدانية، ليأخذ بعدًا رمزيًا يمس جوهر السيادة. وفي المقابل، يعكس رد فعل السكان المحليين حقيقة غالبًا ما تُغفل: أن حماية الحدود لا تقوم على الجيوش وحدها، بل على وعي المواطنين وانخراطهم.

واللافت في هذه الواقعة هو غياب أي تصعيد ميداني، ما يعكس—على الأرجح—رغبة ضمنية لدى الأطراف في تفادي الانزلاق نحو مواجهة مباشرة. غير أن هذا الهدوء لا ينبغي أن يُفهم كضمان دائم للاستقرار، بل كفرصة يجب استثمارها لمعالجة أصل الإشكال، لأن القضايا الحدودية غير المحسومة تظل قابلة للاشتعال في أي لحظة، خاصة في بيئة الساحل الهشة.

وفي خضم هذا النقاش، يظل عنصر الثقة في مؤسساتنا السيادية حاضرًا بقوة، وفي مقدمتها الجيش الوطني، الذي أثبت عبر السنوات قدرة عالية على حماية الحدود والتعامل مع مختلف التحديات الأمنية بحكمة وانضباط. فالقوات المسلحة الموريتانية راكمت تجربة معتبرة في تأمين المجال الترابي، خصوصًا في بيئة الساحل المعقدة، حيث تتطلب المهام يقظة دائمة وتوازنًا دقيقًا بين الحزم وضبط النفس. ومن هذا المنطلق، فإن ما يُطرح من تساؤلات أو ملاحظات لا ينبغي أن يُفهم كتشكيك في جاهزية الجيش أو كفاءته، بل كجزء من نقاش مشروع يروم تعزيز الأداء وتحصين المكتسبات. فالثقة في الجيش لا تتعارض مع السعي إلى تطوير آليات العمل، بل تُشكّل أساسًا متينًا لأي رؤية إصلاحية تُعزز مناعة الدولة وتدعم قدرتها على فرض سيادتها.

وتبقى إدارة المعلومة من أكثر الجوانب حساسية في مثل هذه السياقات. فليس كل ما يُقال في لحظته يكون مفيدًا في أثره. وكان من الأجدر—كما أرى—إحالة المعطيات إلى الجهات المختصة لمعالجتها بهدوء، عبر القنوات الرسمية، بعيدًا عن الارتباك أو التسرع. فبعض الأزمات لا تتفاقم بسبب خطورتها، بل بسبب طريقة التعاطي معها.

وفي هذا الإطار، يصبح التناغم بين ما يُنشر في الفضاء العام وما يصدر عن الجهات الرسمية ضرورة لا ترفًا. فالكلمة، في القضايا السيادية، قد تكون أحيانًا أشد أثرًا من الفعل إذا أُخرجت من سياقها أو استُخدمت دون تدقيق. ومن هنا، تتوزع المسؤولية بين الدولة في التوضيح، والفاعلين في التحري والانضباط، مع التأكيد على وجوب ابتعاد أي جهة غير أمنية أو غير مخولة رسميًا عن نشر معلومات تتعلق بالأمن الحدودي، وترك هذا الملف الحساس للجهات المختصة، وعلى رأسها وزارة الداخلية ووزارة الخارجية.

وفي سياق التفاعل السياسي، يعكس بيان حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) حول حادثة مقتل موريتانيين داخل الأراضي المالية، وما تبعه من استدعاء رئيس الحزب من طرف وزير الداخلية، حساسية المرحلة وتعقيداتها. وبرأيي، فإن دعوة وزارة الداخلية إلى التحري وتجنب التصعيد تبدو في محلها، خاصة في ظرف إقليمي دقيق. وكان من الأولى—في مثل هذه القضايا—إحالة المعطيات إلى الجهات المختصة بدل نشرها، لما لذلك من أثر مباشر على إدارة الأزمات.

ومع ذلك، يظل من الضروري أن تواصل الأحزاب أداء دورها، ولكن ضمن إطار من المسؤولية والتكامل مع مؤسسات الدولة، بما يعزز الموقف الوطني بدل إرباكه.

ومن زاوية أخرى، لا يمكن إغفال أن التعاطي الرسمي الموريتاني اتسم بقدر من ضبط النفس، وهو خيار واقعي في بيئة لا تحتمل المغامرة. فليس كل تصعيد قوة، كما أن التسرع قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها. غير أن هذا التوازن يظل هشًا ما لم يُدعّم بإجراءات عملية تمنع تكرار مثل هذه الحوادث.

وانطلاقًا من ذلك، لا يكفي تشخيص الإشكال، بل يصبح الانتقال إلى خطوات ملموسة ضرورة ملحّة، من أبرزها:

1-تعزيز الحضور الميداني للدولة في المناطق الحدودية، أمنيًا وإداريًا وخدماتيًا، لترسيخ السيادة في بعدها العملي؛

2-تسريع عمليات ترسيم الحدود وتثبيتها بعلامات واضحة، للحد من مناطق الالتباس؛

3-تنظيم الإنتجاع الرعوي عبر آليات ثنائية مرنة، توازن بين ضرورات العيش ومتطلبات السيادة؛

4-إنشاء قنوات تنسيق ميداني مباشر بين الأجهزة الأمنية في البلدين، لتفادي سوء التقدير؛

5-اعتماد سياسة تواصل رسمية استباقية، تسد فراغ المعلومة وتحد من الشائعات.

غير أن جوهر المسألة يتجاوز هذه الإجراءات التقنية. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها عند الاختبار، بل بقدرتها على جعل هذه الحدود غير قابلة للاختبار أصلًا، عبر وضوحها عمقًا؟

 

 
<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالي > النهاية >>

رتل القرآن الكريم

إعلان

إعلان

فيديو

الجريدة

إعلان