مقالات
الفكرة والمرأة/ الأستاذ محمد فؤاد برادة
الجمعة, 11 سبتمبر 2026 02:12

في لحظة الجِدّ تختفي؛ لأنها بطبعها غامضة. أهي فكرة، أهي امرأة، أم إحساس فريد يتخذ هيئة امرأة؟ ولكن أين يكمن الخلل؟ أهو في الفكرة ذاتها، أم في محاولتنا القبض عليها بعدما أدركنا لعبة النسيان والتخفّي؟

وما الذي يختفي تحديدًا؟ أهي الفكرة، أم تلك الحالة الداخلية التي أنجبتها؟ لعل الفكرة لا تختفي تمامًا، وإنما تفقد وهجها الأول عندما نحاول إخضاعها لمنطق الكتابة وترتيبها في كلمات. فهي ليست فكرة عادية نستدعيها متى شئنا، بل شيء ينبع من أعماق الذات، ويتسلّل في لحظات خاصة؛ قد يولد وسط الصخب، وقد ينبثق من سكون عميق.

وهل تكون الفكرة أحيانًا امرأةً تتبدّل أحوالها بعفوية؛ تنهار للحظة، ثم تلملم شتاتها وتستعيد توازنها؟ أم أن المرأة ليست سوى صورة للفكرة نفسها: حضورٌ يقترب حين نكفّ عن مطاردته، ويبتعد كلما ظننّا أننا أمسكنا به؟
محمد فؤاد برادة

 
الزواج بين حرية الاختيار ومسؤولية الاستمرار: أيُّ توازن ممكن؟/ ا. محمد فؤاد برادة
الأربعاء, 09 سبتمبر 2026 15:28

ثمة تأملات نكتبها ثم نظن أننا تجاوزناها، غير أنها تظل كامنة في مكان ما من الذاكرة، تنتظر لحظة العودة إليها. وحين نقرؤها بعد أعوام، لا نعود إلى الكلمات وحدها، بل نعود إلى ذواتنا كما كانت يوم كتبناها، فنرى ما أبقاه الزمن فينا، وما غيّره من نظرتنا إلى الحياة.

هكذا عدت، بعد أربعة عشر عامًا، إلى تأملات كنت قد كتبتها عن الزواج. لم أبحث فيها عن أجوبة قديمة بقدر ما وجدتني أستعيد أسئلة لم تفقد راهنيتها: هل تغيّر الزواج منذ ذلك الحين، أم تغيّرت نظرتي إليه؟ وهل ما حسبناه يومها أزمة عابرة كان، في حقيقته، بداية تحول اجتماعي عميق لم تكن ملامحه قد اكتملت بعد؟

وهل ازدادت قدرتنا على اختيار شريك الحياة بقدر ما نمت قدرتنا على تحمّل تبعات هذا الاختيار؟ وهل قادتنا الحرية إلى علاقات أكثر نضجًا واستقرارًا، أم أنها كشفت هشاشةً كانت سلطة الأسرة وثقل التقاليد يحجبانها؟

لم يكن السؤال الذي طرحتُه في ذلك الحين مفاضلة سطحية بين الزواج التقليدي والزواج الحديث، ولا دعوة إلى إدانة حرية الاختيار أو تمجيد سلطة الجماعة. فهل تكمن المشكلة حقًّا فيمن يختار شريك الحياة: الأسرة أم الفرد؟ أم أن السؤال الأعمق يبدأ بعد الاختيار: كيف نحمي ما اخترناه، وكيف نحوّل الرغبة إلى مشروع قادر على البقاء؟

لقد منح التحول الاجتماعي الإنسان مساحة أوسع لاختيار شريك حياته، وفتح أمام المرأة آفاقًا أرحب للاستقلال، وحرّر الزواج من صور كثيرة من الإكراه. ولكن هل تتحول هذه المكاسب تلقائيًّا إلى سكينة واستقرار؟ وهل تكفي حرية الاختيار وحدها لبناء علاقة تصمد أمام تقلّبات الزمن؟ أم أن الحرية تحتاج إلى وعي يوازيها، فيقرنها بالمسؤولية، ويوازن بين الاستقلال والشراكة، وينقل الحب من حرارة الانفعال إلى رسوخ الالتزام؟

وهل هشاشة بعض الزيجات المعاصرة دليل على أن الماضي كان أكثر سعادة؟ وهل استمرار الزواج زمنًا طويلًا يعني، بالضرورة، نجاحه؟ ألم تكن بعض العلاقات تستمر تحت ضغط العائلة، أو الخوف من المجتمع، أو انعدام البدائل؟ وفي المقابل، هل كل طلاق علامة على التحرر والنضج؟ أم قد يكون، في بعض الأحيان، تعبيرًا عن العجز عن الصبر والحوار ومراجعة الذات؟

بأي ميزان، إذن، نقيس نجاح الزواج؟ أبعدد السنوات التي يمضيها الزوجان تحت سقف واحد، أم بقدر ما تصونه العلاقة من كرامتهما، وما تبنيه بينهما من ثقة، وما تمنحه لهما ولأبنائهما من طمأنينة وأمان؟ وهل يجوز أن نعدّ كل زواج طويل ناجحًا، وكل زواج انتهى فاشلًا، من دون أن نسأل عما أخفاه الاستمرار من ألم، أو عما أنقذه الانفصال من كرامة؟

وهل الزواج مجرد اختيار لشخص نحبه؟ أم إنه، في جوهره، اختيار لطريقة في العيش، ولنمط من المسؤولية، ولمشروع يقتضي تفاهمًا متجددًا حول الأدوار والرغبات والحدود؟ وكيف يستطيع الإنسان الانتقال من «أنا» المكتفية بذاتها إلى «نحن» لا تمحو الفرد، بل تمنحه معنًى أعمق داخل علاقة تقوم على الأخذ والعطاء؟

وحين يتعثر الزواج، هل يكون الزواج بأخرى حلًّا، أم قد يصبح مشكلة تضاف إلى المشكلة الأولى؟ وهل يعالج أصل الخلاف، أم يؤجله ويضاعف آثاره؟ وهل يكفي أن يكون التعدد مباحًا ليغدو، في كل حالة، خيارًا حكيمًا؟ أم أن الحكمة تقتضي النظر في العدل والقدرة وتحمل المسؤولية وصون كرامة جميع الأطراف؟ وكم من إنسان بحث عن مخرج من أزمة، فإذا به يفتح أبوابًا لأزمات لم تكن في الحسبان؟

وبعد أربعة عشر عامًا، أجدني أعود إلى السؤال نفسه: هل نحن أمام أزمة في مؤسسة الزواج، أم أمام أزمة في فهمنا لمعنى الالتزام؟ وهل تغيرت المؤسسة بوتيرة أسرع من تطور الوعي القادر على مواكبة هذا التغير؟ وهل امتلك الإنسان المعاصر حرية الاختيار قبل أن يمتلك الثقافة التي تحمي اختياره من التسرع والهشاشة؟

فالزواج لا يصبح قويًّا لمجرد أن الأسرة اختارت الشريك، ولا ينهار حتمًا لأن الفرد اختاره بنفسه. وإنما تبدأ قوته أو هشاشته مما يفعله الزوجان بعد الاختيار: فهل يحوّلان الرغبة إلى معرفة، والمعرفة إلى تفاهم، والتفاهم إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى معنًى مشترك؟

أليس هنا، تحديدًا، يكمن الفرق بين زواج يبدأ بحفل، وزواج يستمر بوصفه بناءً إنسانيًّا يتجدد كل يوم؟
محمد فؤاد برادة
المصدر: قراءة استرجاعية في مقالَيَّ المنشورين ضمن «Les Échos de La Tribune»: الجزء الثالث، بتاريخ 12 مايو 2012؛ والجزء الرابع، بتاريخ 10 يونيو 2012.

 
النور/ بقلم محمد فؤاد برادة
الاثنين, 07 سبتمبر 2026 02:01

أريد أن أكتب، وأريدكم أن تقرؤوا… أن تقرؤوا، ولكن ماذا بعد؟
أن يكون الإنسان إنسانًا يعني أن يتخلّى من أجل الآخر، وأن يعلم، يعلم أنّه خُلق من أجل ما لا يدركه البعض، لكن ماذا بعد؟ هل فهمتم؟ فهمتُم، ولكن ماذا بعد؟ الكلُّ سراب… سراب، ما عدا من يردّ؟ ما أجمله! يتجلّى في كل شيء، في كل ما هو كائن. هل فهمتم؟ ما أجمله… ما أجمله!
محمد فؤاد برادة

 
من رجال مروا من هنا: محمد ولد هباب/ أ. محمد الامين ولد لكويري
الاثنين, 31 أغسطس 2026 12:37

وفاء ببعض حق أفاضل السلف، وتبيانا لما خلفوا من الأثر الجميل والذكر الحسن، وحفظا لشيء من سيرهم المشرفة، والجديرة بأن تروى وتحفظ؛ أكتب هذه السطور:

نقطة مباركة من المجال الجغرافي الطويل، والممتد من منطقتي ظهر انوللان وخط الدامي جنوبا، إلى تيرس شمالا؛ وبداية العقد الثاني من القرن الماضي، هما ظرفا ميلاد محمد ولد ولد هباب لأبيه أحمد ولد كاشف ولد ابراهيم ولد اعل ولد هباب، ولأمه مريم منت اعل سالم.

نشأ محمد ولد هباب في أحضان أسرة توارثت خلال الكرم كابرا عن كابر، وفي عشيرة شهد لها الجميع بشتى خصال الكرم؛ من نجدة المظلوم وإعانة المحتاج ونصرة الحق والشجاعة التي شهد لهم بها ألد أعدائهم، إذ نرى الرائد الفرنسي فرير جاه يصرح بذلك في مذكراته، والحق ما شهدت به الأعداء...

في هذا الوسط وفي هذه البيئة نشأ صاحبنا وترعرع، فكان لهما التأثير البالغ في بناء شخصيته، حيث نشأ محمد ولد هباب وهو يرى ما عليه قومه من خصال الأكارم كالشجاعة والنبل والنجدة وإغاثة الملهوف ونصرة الحق والتضحية في سبيله، ويروى له الشيء ذاته عن أسلافه الماجدين، فكان صاحبنا امتدادا لهذا

التفاصيل
 
موريتانيا: من وهج المحظرة إلى ضوء الغاز.. حضارة لا تُباع/بقلم : احمدو محمد احمد إياهي
الأحد, 30 أغسطس 2026 23:40

ليست الأمم أرقاماً في جداول النمو، ولا مصانع تُقام على عجل. الأمم ذاكرةٌ تُورَّث، وروحٌ تُصان، وقصةٌ تُروى للأجيال. ومن أراد أن يستشرف مستقبل موريتانيا، فلا يُفتِّش في باطن الأرض عن نفط أو غاز فحسب، بل ليُصغِ إلى خرير المحيط، وإلى همس الرمال، وإلى ترتيل المحاظر في جنح الليل.

إن موريتانيا، هذه العروس التي توشحت بعقد من صحراء ومحيط، تقف اليوم على عتبة تاريخية. فبين يديها ثروات باطنية: نفط وغاز ومعادن تُبشِّر بغد اقتصادي. وبين جنبيها ثروات ظاهرة: تراث وثقافة وطبيعة تُبشِّر بغد حضاري. والحكمة كل الحكمة أن لا نرى بينهما خصاماً، بل تكاملاً. فالغاز يُضيء المدينة، والثقافة تُضيء الوجدان. والمعدن يبني الجسر، والتراث يبني الهوية.

لم نبدأ الطريق من عدم. لقد ورثنا مكتسبات، وخطت الدولة خطوات مشكورة في صيانتها، وشهد بها العالم قبلنا. ففي عام 1996م، أنصفت منظمة اليونسكو التاريخ حين أدرجت مدن شنقيط ولاتة وادان وتشيّت على لائحة التراث العالمي. لم تفعل ذلك شفقة، بل اعترافاً بأن الصحراء أنجبت حضارة. واليوم، صار مهرجان "مدائن التراث" السنوي عرساً وطنياً يجوب هذه المدن، ويعيد إليها نبض الحياة. وتقوم وزارة الثقافة بالتعاون مع شركاء دوليين بأعمال ترميم وصيانة للبيوت التاريخية والمساجد العتيقة، وهو جهد يستحق الثناء والدعم والاستمرار.

وهنا نقف وقفة إجلال عند مكتسب آخر لا يقل أهمية. فقد شهدت السنوات الأخيرة جهوداً مباركة في صيانة المكتبات الأهلية وحفظ المخطوطات الشنقيطية. فقد اضطلع المعهد الموريتاني للبحث العلمي بدور محوري في صيانة وترميم المخطوطات وتكوين الكوادر الوطنية في هذا المجال منذ تأسيسه. كما قامت المكتبة الوطنية بدور كبير في جمع المخطوطات وتصنيفها ورقمنتها وإتاحتها للباحثين، صوناً لها من عوامل التلف والنسيان. واحتضنت بعض المحاظر الكبرى أيضاً مراكز متخصصة لترميم المخطوطات وصيانتها. هذه الخطوات إنقاذ لذاكرة الأمة. ولكن الطموح يجب أن يتجاوزها: نريد قاعدة بيانات رقمية وطنية موحدة، ونريد مركزاً عالمياً للمخطوطات الموريتانية يكون قبلة للباحثين من مشارق الأرض ومغاربها.

وفي عام 1989م، توجت اليونسكو جهود الحفاظ بإدراج منتزه حوض أركين الوطني ضمن التراث العالمي. وهو اليوم ملاذ لملايين الطيور المهاجرة، ومرآة تعكس جمال ساحلنا الممتد على 754 كلم. وصيانته تكون بسياحة بيئية رشيدة، وبحماية ثروتنا السمكية من جور الاستنزاف.

وفوق هذه المكتسبات، تزخر بلادنا بمقدرات لو أحسنا نحتها، صارت تماثيل من ذهب. إن مدننا الأربع ليست أطلالاً نبكيها. هي كتب مفتوحة. كل حجر فيها سطر، وكل زقاق حكمة. إنها دليل ساطع على أن الإنسان الموريتاني إذا عزم، روّض القسوة فصارت عمراناً.

ولُقِّبت بلادنا عن جدارة بـ "بلاد المليون شاعر" وهذا اللقب ليس مجازاً بل حقيقة راسخة. فالشعر الحساني هو ديوان العرب في الصحراء، وسجل التاريخ والأخلاق والسياسة. والمحظرة هي مصنع العلماء والفقهاء، والكرم فريضة اجتماعية متوارثة. وزاد جمال لوحتنا أن ألوانها متعددة. فموريتانيا بحمد الله مُلتقى الحضارتين، ومَعبر القوافل، وفسيفساء الإبداع العربي الإفريقي الأصيل، يتعانق فيها البيان العربي مع إيقاع البولار، وسمو السوننكي، وعذوبة الولوف، فينشد الجميع لحناً واحداً عنوانه: الوحدة الوطنية.

التفاصيل
 
صرخة من أجل بناء الإنسان قبل أن يفوت الأوان /الأستاذ محمد فؤاد برادة
الأحد, 19 يوليو 2026 01:44

استلهامًا لأفكار مقال «موريتانيا والأمير والانتخابات البرلمانية» المنشور سنة 2013

بعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا على نشر مقال «موريتانيا والأمير والانتخابات البرلمانية»، يبدو أن جزءًا كبيرًا من الإشكالات التي أثيرت آنذاك ما زال مطروحًا، وإن اختلفت السياقات وتبدلت الفاعليات. غير أن التجربة تؤكد اليوم أن التحدي الأكبر الذي يواجه موريتانيا لا يكمن في إعادة تشكيل التوازنات السياسية وحدها، وإنما في بناء الإنسان، باعتباره المدخل الحقيقي لبناء الدولة وترسيخ الاستقرار.

لقد انصب جانب معتبر من النقاش العمومي خلال العقود الماضية على الانتخابات، والأحزاب، وتوزيع السلطة، بينما ظل الاستثمار في الإنسان، بوصفه أساس التنمية والدولة الحديثة، دون المستوى الذي تفرضه التحولات الاجتماعية والديموغرافية والتكنولوجية المتسارعة.

وتكشف المؤشرات الاجتماعية عن تنامي ظواهر تستدعي وقفة وطنية جادة، من بينها التسرب المدرسي، والهشاشة الأسرية، وضعف التأطير التربوي، ووجود أطفال ينشؤون خارج المنظومة التعليمية والتكوينية، فضلاً عن وجود أسر تضم أعدادًا كبيرة من الأطفال تتجاوز في بعض الحالات عشرة أو ثلاثة عشر طفلًا، دون أن تتوافر لها الإمكانات الكافية لضمان التربية والمتابعة والتوجيه. ولا يمثل ذلك تحديًا اجتماعيًا فحسب، بل هو قضية ترتبط بجودة رأس المال البشري الذي سيقود الدولة خلال العقود المقبلة.

ويزداد هذا التحدي تعقيدًا مع التراجع النسبي لأدوار التأطير التقليدية، وفي مقدمتها المحظرة والمؤسسات الدينية، التي شكلت عبر التاريخ الموريتاني مدرسةً لتكوين الإنسان قبل تكوين العالم، ولغرس قيم الانضباط، والأمانة، والاعتدال، والاعتماد على النفس، واحترام العلم. فقد كانت المحظرة مؤسسةً اجتماعيةً وتربويةً متكاملة، أسهمت في صناعة النخب وحفظ الهوية الوطنية، إلى جانب دورها العلمي والديني.

وفي المقابل، فرضت الثورة الرقمية واقعًا جديدًا، حيث أصبحت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي والوسائط الرقمية أحد أهم مصادر تشكيل وعي الأطفال والشباب، دون أن يواكب ذلك تأطير أسري أو تربوي أو ديني يضمن الاستخدام الرشيد لهذه الوسائط. ولم تعد المنافسة اليوم بين المدرسة والشارع فحسب، بل أصبحت بين الأسرة والمحظرة والمدرسة من جهة، والفضاء الرقمي المفتوح من جهة أخرى، بما يحمله من فرص معرفية كبيرة، ومخاطر فكرية وسلوكية لا يمكن تجاهلها.

ولا ينبغي أن يُفهم هذا الطرح باعتباره دعوة للعودة إلى الماضي، بل دعوة إلى تحديث مؤسسات التأطير وإعادة الاعتبار لوظيفتها الحضارية، بحيث تتكامل المدرسة مع الأسرة، والمحظرة مع الجامعة، والخطاب الديني مع الخطاب التربوي، لبناء شخصية متوازنة تجمع بين المعرفة، والقيم، والانفتاح، وروح المواطنة.

إن هذه المسؤولية لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تتحملها الأحزاب السياسية، في الأغلبية والمعارضة، والمؤسسات الدينية، والقطاع التربوي، والإعلام، والمجتمع المدني، والأسرة. فالإشكال ذو طبيعة بنيوية، ولا يمكن معالجته بتحميل المسؤولية لطرف دون آخر، لأن بناء الإنسان مشروع وطني تتقاطع فيه مسؤوليات الجميع.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن التنمية المستدامة تبدأ بالاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في البنى التحتية، وأن قوة الدول لا تقاس بحجم مواردها الطبيعية، وإنما بجودة تعليمها، وتماسك أسرتها، وكفاءة مؤسساتها، وقوة منظومتها القيمية.

ومن ثم، فإن موريتانيا بحاجة اليوم إلى ميثاق وطني لبناء الإنسان، يجعل الطفولة، والتعليم، والتأطير الديني والتربوي، والثقافة، والتربية الرقمية، في صدارة الأولويات الوطنية. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ عند صناديق الاقتراع، وإنما يبدأ في الأسرة، والمدرسة، والمحظرة، وفي كل مؤسسة تسهم في صناعة المواطن الصالح.

إن الأمم التي تهمل تنشئة أجيالها تؤجل أزماتها ولا تحلها، أما الأمم التي تجعل من الإنسان محور سياساتها، فإنها تؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا وعدالةً وازدهارًا.
. محمد فؤاد برادة

 
<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالي > النهاية >>

رتل القرآن الكريم

إعلان

إعلان

فيديو

الجريدة

إعلان