النظافة الحضرية في نواكشوط: بين تحسن الواجهات الرئيسية واختلالات الأحياء وتحديات الحكامة المستدامة/ بقلم: محمد فؤاد برادة
الاثنين, 02 نوفمبر 2026 19:35

تشكل النظافة الحضرية في نواكشوط أحد التحديات الأساسية للحكامة الترابية، ليس فقط بفعل التوسع العمراني وتزايد إنتاج النفايات، وإنما أيضًا نتيجة تعقد منظومة التدخلات وتعدد الفاعلين المعنيين بتسيير هذا المرفق العمومي الحيوي. فالنظافة لم تعد مجرد نشاط تقني يتعلق بجمع النفايات ونقلها، بل أصبحت قضية مؤسسية وبيئية ومجتمعية ترتبط بجودة الخدمات العمومية وفعالية التنظيم والتنسيق والمسؤولية المواطنة.

وتعكس الجهود الحكومية الأخيرة الرامية إلى تعزيز متابعة خدمات شركة «آرما» (ARMA)، وتعبئة السلطات الإدارية في ولايات نواكشوط الثلاث، اهتمامًا بتحسين النظافة الحضرية والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين. وهي جهود تستحق التثمين، بالنظر إلى ارتباط النظافة بالصحة العامة وجودة الحياة وجاذبية العاصمة.

غير أن القراءة الموضوعية للواقع الميداني تكشف عن تفاوت يستحق التوقف عنده. ففي الوقت الذي يمكن ملاحظة تحسن نسبي في نظافة بعض الشوارع والمحاور الرئيسية، لا تزال أحياء داخلية وطرفية عديدة تعرف تراكمًا للنفايات، أو عدم انتظام في عمليات جمعها، أو ضعفًا في المتابعة الميدانية، بما يجعل مستوى النظافة متفاوتًا بين مناطق العاصمة.

وهذا التفاوت يطرح إشكالية تتجاوز مجرد نقص الوسائل أو ارتفاع كميات النفايات، لتمس فعالية التنظيم التشغيلي للخدمات، وتوزيع الموارد، وتخطيط مسارات الجمع، وآليات المتابعة والتقييم.

فهل يتعلق الأمر بمحدودية الإمكانات اللوجستية؟ أم بضعف البرمجة الميدانية؟ أم بعدم ملاءمة توزيع الموارد بين الشوارع الرئيسية والأحياء الداخلية والطرفية؟ أم بوجود اختلال في التنسيق بين مختلف المتدخلين؟

إن الإجابة عن هذه التساؤلات تستدعي تقييمًا فنيًا موضوعيًا، غير أن استمرار تراكم النفايات في بعض المناطق، مقابل تحسن نسبي في مناطق أخرى، يشير إلى ضرورة مراجعة فعالية التنظيم التشغيلي ومدى ملاءمته للواقع الحضري لنواكشوط.

وتبرز هنا أهمية التمييز بين نظافة المحاور الرئيسية، التي تمثل الواجهة الظاهرة للمدينة، ونظافة الأحياء السكنية التي تشكل الفضاء اليومي لحياة المواطنين. فنجاح سياسة النظافة لا ينبغي أن يقاس بالمظهر العام للشوارع الكبرى وحدها، وإنما بمدى انتظام الخدمات وشموليتها وقدرتها على الاستجابة لاحتياجات السكان في مختلف الأحياء.

ومن المؤشرات الميدانية التي تستحق الاهتمام اضطرار بعض السكان إلى تنظيم مبادرات ذاتية لتمويل تنظيف شوارعهم وتوفير حراس للحد من الإيداع العشوائي للنفايات، بتكاليف قد تصل في بعض الحالات إلى 90 ألف أوقية قديمة شهريًا. ورغم ما تعكسه هذه المبادرات من وعي مدني وتضامن اجتماعي، فإنها تطرح تساؤلًا مشروعًا حول قدرة منظومة النظافة على ضمان مستوى متقارب من الخدمات بين الأحياء، دون أن تصبح المحافظة على نظافة الشوارع مرتبطة بالقدرة المالية لسكانها.

ومن هذا المنطلق، فإن تحسين أداء شركة «آرما» ينبغي ألا يقتصر على تكثيف التدخلات في المواقع الأكثر ظهورًا، بل يتطلب مراجعة شاملة للبرمجة التشغيلية، وتوزيع الوسائل البشرية واللوجستية، وانتظام مسارات الجمع، وآليات الرقابة الداخلية، بما يضمن تغطية أكثر توازنًا لمختلف مناطق العاصمة، وفق نطاق الخدمات المسندة إلى الشركة.

وفي هذا السياق، تكتسب الملاحظات التي قدمها المهندس عثمان أجّيل، استنادًا إلى تجربة مهنية امتدت ثلاث سنوات في مجال تسيير النفايات الصلبة، أهمية خاصة. فقد أكد أن أي شركة، مهما بلغت قدراتها المالية واللوجستية، لا تستطيع بمفردها ضمان نظافة مستدامة إذا لم تتوفر منظومة متكاملة تشمل تنظيم الخدمات وسلوك المواطنين وطرق التخلص من النفايات.

غير أن هذه الملاحظة لا ينبغي أن تحجب الإشكالية التشغيلية الأساسية: فإذا كانت بعض الشوارع الرئيسية تستفيد من تحسن ملحوظ، بينما تستمر تراكمات النفايات في أحياء أخرى، فإن السؤال لا يتعلق فقط بسلوك المواطنين، بل أيضًا بكيفية تنظيم الخدمة وتوزيع وسائلها ومتابعة تنفيذها.

وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا بفعل ظاهرة الإيداع العشوائي للنفايات، ولا سيما بواسطة بعض أصحاب العربات المجرورة بالحمير، الذين ينقلون النفايات من المنازل والمحلات التجارية ليفرغوها أحيانًا في فضاءات غير مخصصة لذلك. وتؤدي هذه الممارسات إلى إعادة تكوين مكبات عشوائية في مواقع سبق تنظيفها، مما يضعف أثر التدخلات ويرفع تكاليف المحافظة على النظافة.

ومن هنا، فإن معالجة المشكلة لا ينبغي أن تقتصر على زيادة عمليات الجمع، بل تتطلب أيضًا تطوير آليات عملية لرصد نقاط الإيداع العشوائي، وتنظيم نشاط نقل النفايات بالوسائل التقليدية، وتحديد نقاط مناسبة لتفريغها، وتعزيز التنسيق بين شركة «آرما» والجهات المختصة.

كما ينبغي دراسة إمكانية إدماج أصحاب العربات في منظومة منظمة لجمع النفايات، مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لهذا النشاط، بدل الاكتفاء بمعالجة آثاره بعد وقوعها.

وتبرز في هذا السياق أهمية مبدأ التفريع (Principe de subsidiarité)، الذي يقوم على إسناد المسؤوليات إلى المستوى المؤسسي الأقرب إلى المواطنين متى توفرت لديه الاختصاصات والوسائل اللازمة لممارستها بفعالية، إلى جانب المقاربة الأفقية (Approche transversale)، التي تهدف إلى تعزيز التنسيق بين مختلف المؤسسات والقطاعات المعنية.

ففي مدينة تضم ثلاث ولايات إدارية وتسع بلديات ضمن مجال حضري متصل، يمكن للبلديات أن تساهم، في حدود اختصاصاتها، في رصد الاختلالات وتحسيس السكان، بينما يمكن لجهة نواكشوط أن تشكل إطارًا مناسبًا للتشاور والتخطيط والتنسيق الترابي، وفقًا للصلاحيات المخولة لها قانونًا، مع احتفاظ الدولة بدورها التنظيمي والرقابي والتنسيقي.

غير أن فعالية هذه المقاربة تظل مرتبطة بوضوح المسؤوليات، وعدم الخلط بين اختصاصات السلطات العمومية والالتزامات التشغيلية للمتعهد، لأن التنسيق المؤسسي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتخفيف مسؤولية أي طرف عن المهام المسندة إليه.

وفي هذا الإطار، تبدو الحاجة ملحة إلى تطوير منظومة تقييم لا تقتصر على عدد الشاحنات أو كميات النفايات المجمعة، بل تعتمد مؤشرات أكثر ارتباطًا بالنتائج، من بينها انتظام عمليات الجمع في الأحياء الطرفية، ومدى التغطية الجغرافية، وتكرار ظهور المكبات العشوائية، وسرعة معالجة الشكاوى، ومستوى رضا السكان.

كما أن تحليل أسباب الاختلالات ينبغي أن يميز بين العوامل التشغيلية المرتبطة بتنظيم خدمات الشركة، والعوامل الخارجية المتعلقة بالإيداع العشوائي للنفايات، حتى تكون الإجراءات التصحيحية مبنية على تشخيص دقيق للمشكلة.

فقد تكون المشكلة في بعض المناطق مرتبطة بنقص الوسائل، وفي مناطق أخرى بضعف التنظيم أو المتابعة، وفي مناطق ثالثة بسلوكيات الإيداع العشوائي، وقد تتداخل هذه العوامل جميعها في الموقع نفسه.

ولهذا فإن الانتقال إلى نظافة مستدامة يتطلب معالجة الأسباب لا الاكتفاء بالنتائج الظاهرة، وتطوير تخطيط ميداني يراعي خصوصيات الأحياء الداخلية والطرفية، بدل الاعتماد على مقاربة موحدة لا تعكس بالضرورة اختلاف الاحتياجات والظروف.

إن الجهود الحكومية الحالية تمثل فرصة لتعزيز هذا التوجه، من خلال تحسين أداء الخدمات وتطوير آليات المتابعة والتنسيق، بما يسمح بالانتقال من معالجة الاختلالات الظرفية إلى بناء منظومة تشغيلية أكثر انتظامًا وشمولًا.

فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في أن تبدو الشوارع الرئيسية نظيفة، وإنما في أن تصبح النظافة واقعًا يوميًا ملموسًا في مختلف أحياء نواكشوط، بما فيها الأحياء الطرفية والأقل ظهورًا.

وهنا يتجلى البعد الجوهري للحكامة الحضرية: فنجاح المرفق العمومي لا يقاس فقط بما ينجزه في المواقع الأكثر وضوحًا، بل بقدرته على ضمان استمرارية الخدمة وعدالة توزيعها وفعاليتها في مختلف المجالات الحضرية.

ومن ثم، فإن النظافة المستدامة في نواكشوط تقتضي الجمع بين تحسين التنظيم التشغيلي لشركة «آرما»، وتعزيز التنسيق المؤسسي، ومكافحة الإيداع العشوائي للنفايات، وترسيخ المشاركة المواطنة.

فالعاصمة لا تحتاج فقط إلى شوارع رئيسية أكثر نظافة، بل إلى منظومة متكاملة تجعل النظافة حقًا يوميًا لجميع الأحياء، ومسؤولية مشتركة تمارس بفعالية واستمرارية.

 

رتل القرآن الكريم

إعلان

إعلان

فيديو

الجريدة

إعلان