
| من رجال مروا من هنا: محمد ولد هباب/ أ. محمد الامين ولد لكويري |
| الاثنين, 31 أغسطس 2026 12:37 |
|
نقطة مباركة من المجال الجغرافي الطويل، والممتد من منطقتي ظهر انوللان وخط الدامي جنوبا، إلى تيرس شمالا؛ وبداية العقد الثاني من القرن الماضي، هما ظرفا ميلاد محمد ولد ولد هباب لأبيه أحمد ولد كاشف ولد ابراهيم ولد اعل ولد هباب، ولأمه مريم منت اعل سالم. نشأ محمد ولد هباب في أحضان أسرة توارثت خلال الكرم كابرا عن كابر، وفي عشيرة شهد لها الجميع بشتى خصال الكرم؛ من نجدة المظلوم وإعانة المحتاج ونصرة الحق والشجاعة التي شهد لهم بها ألد أعدائهم، إذ نرى الرائد الفرنسي فرير جاه يصرح بذلك في مذكراته، والحق ما شهدت به الأعداء... في هذا الوسط وفي هذه البيئة نشأ صاحبنا وترعرع، فكان لهما التأثير البالغ في بناء شخصيته، حيث نشأ محمد ولد هباب وهو يرى ما عليه قومه من خصال الأكارم كالشجاعة والنبل والنجدة وإغاثة الملهوف ونصرة الحق والتضحية في سبيله، ويروى له الشيء ذاته عن أسلافه الماجدين، فكان صاحبنا امتدادا لهذا المحتد الكريم. كان محمد ولد هباب، رحمه الله، شديد الحرص على أن يبقى إحسانه بعيدا عن أعين الناس، وأن يظل ما يبذله من معروف لمن ضاقت بهم الحال سرا، وهو ما اكتشف الكثير منه بعد رحيله رحمه الله، حيث عبر كثير من ضعفاء منطقته عما افتقدوه مما كان يجري عليهم في حياة الرجل. كان رحمه الله يتعمد أن يجعل مصدر إسعافاته للضعفاء خافيا، حتى على أصحابها، فنجده يسعى إلى قضاء حاجاتهم دون أن يشعروا بمصدر ما وصل إليهم، ومن ذلك ما حدث به بعض من لا يزال بين ظهرانينا من الثقاة، قالوا: ذات عام شديد من أعوام الجفاف الشهب، كانت في منطقتنا أسرة تأوي إلى خباء هو جميع ما تلملك، يظل جميع أفرادها في الخلاء بحثا عن الصمغ ثم يعودون مساء إلى الخباء، وعند عودتهم ذات مساء وجدوا أمامهم شاة قد ذبحت وسلخت وعلقت في جانب الخباء، وبجانبها شكوة ملأى لبنا سائغا، ليتأكدوا بعد التحريات أن الزائر لم يكن سوى محمد ولد هباب. جود ولد هباب رحمه الله وإقدامه ظهرا وهو لا يزال في طفولته، ومن ذلك ما تواتر عند معاصريه من أنه كان مسافرا في شمال البلاد، ضمن نفر من قومه الأكارم، من بينهم الزعيم أحمد سالم ولد مولاي، وهم يستاقون قطيعا من الإبل مشتركين في ملكيته، وهو إذ ذاك لا يزال فتى حدثا لا يحق لمثله مناقشة أكابر قومه أحرى التصرف بدون إذنهم، ثم إنهم أناخوا ليلة عند أسرة من قبيلة عرفت بالجود، فأكرموا غاية الإكرام، فلما هموا بالرحيل صباحا لاحظ محمد فصيلا يدور غير بعيد من الخيمة وحنينه متواصل، فسأل عاملا عند الأسرة عن شأن الفصيل، فرد العامل: ذاك امو هي ال عندهم حلبوها البارح زرگو بيها ونحروها، فأمر محمد راعي الإبل أن يأخذ منها لقحتين أراه إياهما، ويوصلهما إلى الأسرة المذكورة فهما هدية من ضيوفهم البارحة، وقد أعجب رفقاؤه بهذا التصرف إعجابا وشكروه عليه، وما فتئ أحمد سالم ولد مولاي يذكر هذه المسألة ويعرب عن إعجابه بمحمد ولد هباب، رحمهما الله. كان محمد رحمه الله - كما قلنا - يقف دائما في وجه الظلم وينحاز إلى جانب العدل، فهو لا يعرف التردد في الدفاع عمن يرى أنه مظلوم معتدى عليه، وقد حدث كل من والدنا ولحميد ولد عبد الله ولد سيدي رحم الله الأول ورزقه جنات عدن، وأطال بقاء الثاني في أكمل نعمة، قال: ذات رحلة من رحلات "استگبيله" ملنا مشرقين فرارا من ذبابة "تاگوگامت" (وهي ذبابة تشكل خطرا على الإبل) فسلكنا طريقا تمر بمنطقة لبيار - ويطلقونها على طوال الآبار - وليست لدينا مواعينها وأدواتها اللازمة، قال فنزلنا قرب إحدى هذه الآبار فوردها لحميد مساء واتفق مع أحد القائمين عليها على أن يتولى عملية المتح غدا حتى تسقى الغنم والقرب، مقابل مبلغ تسلمه الرجل ذلك الحين. قال فلما وردنا البئر ضحى، وجدنا الرجل قائما عليها وجداولها ملأى، وقبل أن نشير على الراعي بانطلاق عملية اتراسيل (تفويج الغنم نحو الحياض) إذا بالأبقار قد غطت أرض البئر، وإذا برجل يبدو أقوى كلمة وأكثر نفوذا من صاحبنا، وقد أخذ يرعد ويزبد محذرا من أن يقترب أحد من البئر ذلك اليوم، وكنا غريبين في تلك المنطقة التي ينتشر فيها مجتمع الرجلين، فبينما نحن نعترض الأبقار حتى لا تقرب الجداول وهما يدفعاننا عنها، وقبيل أن نشتبك، إذا بمحمد ولد هباب يقف معنا على جمل له، فيسأل عن الأمر، لنحكي له ما كان، فما كان منه إلا أن أناخ جمله ونزل، ثم أقسم أن لا يبل أحد إصبعه من تلك البئر قبل أن نسقي جميع ما عندنا ونتوارى من "مگسم" أشار إليه بيده، وهو ما حصل بالفعل. ومن تضحيته ووقوفه إلى جانب العدل، ما يروي اليوم كثير ممن سكنوا تكنت ذلك التاريخ، وهو أنه بينما كان محمد ذات يوم من أواخر سنيه، وراحلته تخدي به في مهمة له ببادية تكنت، وقد تقدم به العمر، إذ طلع عليه رجل يسوق "آگزي من لمعيز" (قطيعا من المعز) وقد ارتاب فيه محمد، حيث يبدو من ضروع المعز وكثرة ثغائها أنها حديثة عهد بالولادة وليس معها جديانها، بينما قال الرجل إنه مسافر إلى كذا... وخلال الحديث تأكد أن الرجل سارق لينيخ محمد راحلته وينزل عن رحله مصوبا نحو الرجل فوهة مدفعه الذي لا يكاد يفارقه، ثم أحكم وثاق الرجل، وبعد أن وضع القطيع في يد أمينة كانت قريبة من مكان الحادثة؛ أعلم فرقة الأمن الموجودة في تكنت أيامها لتتسلم الرجل. لكن محمد ولد هباب لم يغب عن الأمر، فقد تابع خبر الرجل الذي حصل في شأنه ما يتكرر كثيرا من اتصالات وتفاهمات، وهو ما أفضى إلى إخلاء سبيله، وعندما علم ولد هباب بالأمر ثار ثورة لم تهدأ إلا بعد البحث عن الرجل وإعادة توقيفه من جديد. ولم يزل محمد ولد هباب ناصرا للحق قويا فيه، مغيثا للملهوف، مجيرا للمظلوم، كعبة للضعاف والمحتاجين، معلق القلب بالمسجد، إلى أن سار للقاء ربه الكريم، فبذلك وغيره من الخلال شهدت ألسن كل من عرفوه أو سمعوا عنه، ومما وصلنا من تلك الشهادات الكثيرة ما جاء في المراثي التالية:
يقول والدنا أحمدو بنب لكويري ولد عبد الله ولد سيدي، رحمه الله ورزقه جنات عدن:
ويقول الأديب النبهاني ولد أمغر:
ارحم محمد مول الشان
ارحم محمد هاذ ول
ويقول الأديب الداه ولد اباته، رحمه الله:
طيه امن الرحمه ياسر متـ
ويقول الأديب أحمد ولد الشويخ:
يسوَ غير امخلِّ لولاد
ويقول الأديب لمرابط ولد أكيبد:
عاگب محمد ما اتلات توفي محمد ولد هباب في يوم مشهود من سنة 2000 ودفن في مقبرة العرش رحمه الله رحمة واسعة وأنزله أعالي فراديس الجنان، وبارك في عقبه الأكارم. |