الإساءة إلى الإسلام استفزاز ومنكر ولكن...../إسماعيل إياهي
الجمعة, 20 نوفمبر 2020 23:10

 الإساءة إلى الإسلام قديمة جديدة وذلك له أسبابه ودوافعه المعلنة والخفية الدينية والعقدية السياسية الإستراتجية. والمحزن في هذا الأمر أنه كلما لاح أمل ولو من بعيد حول ما يسمى بحوار الحضارات ظهرت وبقوة ( عداوات الحضارات) .

أما بخصوص الرسوم وما ترتب عليها من أحداث وتفاعلات مبررة في رأي البعض وغير مبررة في رأي البعض الآخر فإننا نورد الملاحظات التالية :

إن حرية التعبير مبدأ مقدس يقابله الكبت والإكراه ومع ذلك يجب أن تكون لها ضوابطها وإكراهاتها هي الأخرى وإلا لما كان للقوانين الداخلية من معنى وقيمة الزامية . فالشتم والسب مثلا يمنعهما القانون ويعاقب عليهما والحرية تتوقف عند حدود حرية الآخر , وما نراه في هذا الصدد يبعث على القلق خاصة عندما نجد أن الذين يشتمون ويسبون مستظلين بمبدأ حرية التعبير ومحتمين به من العقاب ، نلاحظ أن المستنكرين للإساءات ولاستفزاز الخطير ، يعاب عليهم أنهم تظاهروا مستخدمين نفس المبدأ المقدس.. أليس هذا كيلا بمكيالين ؟

غير أن كل أشكال التعبير المطلوبة يجب أن تكون حضارية وسلمية . فهذا أكثر جدوائية ونفعا ربما لإيصال الرسالة إلى من يهمه الأمر . ومن الغريب حقا ومن غير المقبول حقا أن يسقط مواطنون برصاص قوى أمن بلدانهم وكأن أرواحهم ودماءهم لا تمثل شيئا ، كما أن الاعتداء على حرمة البعثات الدبلوماسية والقنصلية ومقراتها وأفرادها وممتلكاتها وأجهزة اتصالاتها أمر غير حضاري وتمنعه قواعد القانون الدولي العام وخاصة اتفاقيتي "فيينا" للعلاقات الدبلوماسية والقنصلية ، 1961 و 1964 .

وفي هذا السياق نورد مثالا من الإساءة عشناه مباشرة في تونس العاصمة سنة 1991 . ففي تلك المرة كان الحزب الحاكم آنذاك قد نظم ندوة حول الديمقراطية في العالم الثالث وقد دعا لذلك الغرض عددا من الشخصيات السياسية والفكرية منها على الخصوص الرئيس السنغالي السابق عبدو ضيوف الذي مثله في الندوة مستشاره السياسي كما حضرها نائب رئيس وزراء إطاليا ووزيرة بلجيكية ومنظمات حقوقية وأساتذة ومحاضرون كنت أنا منهم .

في اليوم الثالث والأخير وفي الجلسة الأخيرة القي أحد الأساتذة الغربيين محاضرة اعتبرنا بعض مقاطعها إساءة واستفزازا للعرب والمسلمين . ولعله في ذلك قد وجد فرصة سانحة من خلال موقف النظام التونسي السابق من الإسلام ومن حركة النهضة خاصة .

فقد استهل هذا المحاضر حديثه بتوجيه النصح والإرشاد بعدم الرجوع إلى عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبعدم محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء لأنه يرى في ذلك تخلفا بل يجب في رأيه النظر إلى المستقبل فقط .

كما أنه قد نصح بأن الديمقراطية لا يوجد منها إلا نموذج صالح واحد وهو النموذج المطبق في الغرب فعلى الأنظمة السياسية الأخذ به وحده .

وفي هذا الكلام ما فيه من الإساءة البالغة ومن عدم الواقعية وقد قررتُ في نفسي الرد عليه مباشرة ولأني كنت محرجا من موقف النظام التونسي فلذلك قررت أن لا أرد على هذا المحاضر إلا إذا لم يرد عليه أحد من الحاضرين وكيفما كان مستوى ذلك الرد ، ولم أسجل أسمي للتدخل مثل الآخرين انتظارا أن يتولى أحد من المشاركين الرد على هذا الأستاذ.

فقد انتهت جميع المداخلات ولم يرد عليه أي كان . وهنا طلبت الكلام مخالفا لنظام الجلسة وقواعد تسييرها .

وبعد أن سمح لي رئيس الجلسة وهو رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان والذي كان يوما ما كاتبا خاصا للرئيس جمال عبد الناصر . تقدمت بالشكر للمحاضر على محاضرته وعلى " النصح" الذي تقدم به إلا أن محاضرته تستدعي منا الملاحظتين التاليتين :

أولا : إن العهد الذي نصح بعدم الرجوع إليه وهو عهد النبي صلى الله عليه وسلم هو خير وأفضل عهد يصلح للمجتمعات فهذا العهد نجد أنه كان مليئا بالعدل والمساواة وعامرا بالعمل وخاليا من المخدرات ومن التطرف ومن العنف وخاليا من السيدا ومن الآفات ومن العلل الأخرى التي تتخبط فيها مجتمعات اليوم .كما أنه كان عهد احترام الأديان والمعتقدات من غير الإسلام كالمسيحية واليهودية الخ . وقلت له إن ارشادات ومواعظ قداسة البابا الداعية إلى التمسك بتعاليم المسيح عليه السلام لم تعتبر في الغرب محاولات لإعادة عقارب الساعة إلى الخلف .

ثانيا : أما بخصوص ما تفضل به المحاضر من مفهوم الديمقراطية فإننا نخالفه الرأي فيه على طول الخط فالديمقراطية يجب أن تكون منسجمة مع قيم وثقافات ومعتقدات الشعوب التي تمارسها .

وذكرته أن الكاتب الفرنسي جان جاك وسو في كتابه العقد الاجتماعي خلص إلى الاستنتاج اليائس التالي :" انه لو كان فيه شعب من الآلهة فإنه قد يحكم نفسه ديمقراطيا " ومن هذا الاستخلاص الذي ذكره جان جاك شيفالي في كتابه تاريخ الفكر السياسي ، يظهر لنا أن الديمقراطية ليست قوالب جاهزة ولا هي ملابس مفصلة على مقاسات الآخرين لأن كل شعب له قيمه ومقدساته . وفي ختام مداخلتي ضجت القاعة بالتصفيف والتهنئة حتى من طاقم سكرتارية الندوة وقد قال لي رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان " أنت رفعت رأس الأمة " .

كان هذا ردنا على ذلك الأستاذ الغربي ، فهل كان ردنا حضاريا ؟ وهل ينبغي أن تكون الردود بالفكر والعقل والوعي بعيدا عن لغة العنف التي قد تجلب من الضر أكثر مما تأتي به من النفع ؟ وعلى كل فإننا نرى أن المجتمع الدولي يجب أن يتصدى لظواهر الكراهية كيفما كان نوعها ، وأن يضع لذلك ضوابط قانونية تسمو قواعدها على منظومة القوانين الداخلية لكل بلد. مثلما فعلت دول فيما يتعلق بالتشكيك في المحرقة أو " الهوليكوست" اليهودية . وفي الأخير نرى أنه من المفيد أن يعلم القارئ الكريم أنه لولا ما استجد من أحداث لما كنا في حاجة إلى إعادة إنتاج هذه المداخلة لأن الشيء بالشيء يذكر . 

 

إسماعيل ولد إياهي

أستاذ سابق بجامعة نواكشوط والمدرسة الوطنية للإدارة .

 

رتل القرآن الكريم

إعلان

إعلان

فيديو

الجريدة

إعلان